الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

7

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ولأنها لا تثمر إلا عند اللقاح من ذكر النخل ، وإذا قطعت رأسها ماتت . فكأنه تعالى قال : كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر ، فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح . ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ، ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد ، قالَتْ لما خافت أن يظن بها السوء في دينها ، فيقع في المعصية من يتكلم فيها وهي راضية بما بشّرها به جبريل : يا أي أنبهك يا مخاطب ، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ، الوقت الذي فيه الأمر العظيم . وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي « مت » بكسر الميم . والباقون بالضم . وَكُنْتُ نَسْياً ، أي شيئا تافها لا يعتدّ به أصلا كخرقة الطمث ، ونحوها . وقرأ حفص وحمزة وابن وثاب والأعمش بفتح النون ، والباقون بالكسر . وقرأ محمد بن كعب القرظي « نسأ » بالهمز وبهما ، وهو الحليب المخلوط بالماء الكثير ينساه أهله لقلته واستهلاكه في الماء ، مَنْسِيًّا ( 23 ) أي متروكا لم يذكر بالبال ، وهو نعت للمبالغة . وهذا جرى على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم ، فإنهم يقولون مثل ذلك . كما روي عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة ، وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر . وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئا . وعن علي أنه قال يوم الجمل : يا ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة . وعن بلال أنه قال : ليت بلالا لم تلده أمه . وقرأ الأعمش : « منسيا » بكسر الميم اتباعا للسين . فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) . وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي : ب « من » الجارة ، أي فناداها جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة ، أي لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى ، قد جعل ربك بمكان أسفل منك ، أو قريب منك نهرا صغيرا ، أو إنسانا شريفا جليلا . ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى ، فناداها ملك من تحتها ، ويقال : فناداها المولود كائنا من تحت ذيلها ، أي لا تحزني يا أمي ، قد جعل ربك تحتك جدولا يجري ، ويمسك بأمرك ، أو نبيا مرتفع القدر . وقرأ الباقون ب « من » الموصولة . وقرأ زر وعلقمة « فخاطبها » من تحتها بفتح الميم ، أي فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها أي لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسا عزيزا لا يكاد يوجد له نظير أو جدولا بضرب جبريل الأرض برجله . ويقال : فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة ، أو من تحت النخلة بأن لا تحزني ، قد جعل ربك قربك عين ماء عذب ، تعظيما لشأنك فإن اللّه تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات . كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها ما تقدم من أصناف البشارات ، أو